محمد متولي الشعراوي

10311

تفسير الشعراوي

فلما أقسموا بالله للرسول أنْ يخرجوا من بيوتهم وأولادهم وأموالهم إلى الجهاد مع رسول الله فضح الله سرائرهم ، وكشف سترهم ، وأبان عن زيف نواياهم ، كما قال في آية أخرى : { وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ } [ النساء : 81 ] . وتأمل دقَّة الأداء القرآني في : { بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ } [ النساء : 81 ] وهذا احتياط ؛ لأن منهم أُنَاساً يراود الإيمان قلوبهم ويفكرون في أنْ يُخلِصوا إيمانهم ونواياهم لله تعالى ، ويعودوا إلى الإسلام الصحيح . والقرآن يفضح أمر هؤلاء الذي يُقسِمون عن غير صِدْق في القَسَم ، كمن تعوَّد كثرة الحَلِف والحِنْث فيه ؛ لذلك ينهاهم عن هذا الحَلِف : { قُل لاَّ تُقْسِمُواْ } [ النور : 53 ] ولا يمكن أن ينهي المتكلمُ المخاطبَ عن القسم خصوصاً إذا أقسم على خير ، لكن هؤلاء حانثون في قَسَمهم ، فهو كعدمه ، فهم يُقسِمون باللسان ، ويخالفون بالوجدان . وقوله تعالى : { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } [ النور : 53 ] . يُشعِر بتوبيخهم ، كأنه يقول لهم : طاعتكم معروفة لدينا ولها سوابق واضحة ، فهي طاعة باللسان فحسب ، ثم يؤكد هذا المعنى فيقول : { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [ النور : 53 ] والذي يؤكد هذه الخبرة أنه يفضح قلوبهم ويفضح نواياهم . والعجيب أنهم لا يعتبرون بالأحداث السابقة ، ولا يتعظون بها ، وقد سبق لهم أنه كان يجلس أحدهم يُحدِّث نفسه الحديث فيفضح الله ما في نفسه ويخبر به رسول الله ، فيبلغهم بما يدور في نفوسهم ، كما جاء في قول الله تعالى : { وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ } [ المجادلة : 8 ] .